الغزالي

33

جواهر القرآن ودرره

ولا يعرف حقيقة سير الشمس والقمر بحسبان ، وخسوفهما وولوج الليل في النهار ، وكيفية تكوّر أحدهما على الآخر ، إلا من عرف هيئات تركيب السّماوات والأرض ، وهو علم برأسه . ولا يعرف كمال معنى قوله تعالى : يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ « 1 » إلا من عرف تشريح الأعضاء من الإنسان ظاهرا وباطنا ، وعددها وأنواعها وحكمتها ومنافعها ، وقد أشار في القرآن في مواضع إليها ، وهي من علوم الأوّلين والآخرين ، وفي القرآن مجامع علم الأوّلين والآخرين . وكذلك لا يعرف كمال معنى قوله تعالى سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي * « 2 » من لم يعلم التّسوية والنّفخ والرّوح ، ووراءها علوم غامضة يغفل عن طلبها أكثر الخلق ، وربما لا يفهمونها إن سمعوها من العالم بها ، ولو ذهبت أفصّل ما تدل عليه آيات القرآن من تفاصيل الأفعال لطال ، ولا تمكن الإشارة إلا إلى مجامعها ، وقد أشرنا إليه حيث ذكرنا أن من جملة معرفة اللّه تعالى معرفة أفعاله ، فتلك الجملة تشتمل على هذه التفاصيل ، وكذلك كل قسم أجملناه لو شعّب لانشعب إلى تفاصيل كثيرة ، فتفكّر في القرآن والتمس غرائبه ، لتصادف فيه مجامع علم الأوّلين والآخرين ، وجملة أوائله ، وإنما التفكر فيه للتوصل من جملته إلى تفصيله وهو البحر الذي لا شاطئ له .

--> ( 1 ) الآية 6 / من سورة الانفطار . ( 2 ) الآية 29 / من سورة الحجر .